القرطبي
20
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وسمى جهنم مهادا لأنها مستقر الكفار . وقيل : لأنها بدل لهم من المهاد ، كقوله : " فبشرهم بعذاب أليم ( 1 ) " ونظيره من الكلام قولهم : * تحية بينهم ضرب وجيع * قوله تعالى : ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد ( 207 ) ( ابتغاء ) نصب على المفعول من أجله . ولما ذكر صنيع المنافقين ذكر بعده صنيع المؤمنين . قيل : نزلت في صهيب ( 3 ) فإنه أقبل مهاجرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعه نفر من قريش ، فنزل عن راحلته ، وانتثل ما في كنانته ( 4 ) ، وأخذ قوسه ، وقال : لقد علمتم أنى من أرماكم ، وأيم الله لا تصلون إلى حتى أرمى بما في كنانتي ، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شئ ، ثم افعلوا ما شئتم . فقالوا : لا نتركك تذهب عنا غنيا وقد جئتنا صعلوكا ، ولكن دلنا على مالك بمكة ونخلي عنك ، وعاهدوه على ذلك ففعل ، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت : " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله " الآية ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ربح البيع أبا يحيى " ، وتلا عليه الآية ، أخرجه رزين ، وقاله سعيد بن المسيب رضي الله عنهما . وقال المفسرون : أخذ المشركون صهيبا فعذبوه ، فقال لهم صهيب : إني شيخ كبير لا يضركم أمنكم كنت أم من غيركم ، فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني ؟ ففعلوا ذلك ، وكان شرط عليهم راحلة ونفقة ، فخرج إلى المدينة فتلقاه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ورجال ، فقال له أبو بكر : ربح بيعك أبا يحيى . فقال له صهيب : وبيعك فلا يخسر ، فما ذاك ؟ فقال : أنزل الله فيك كذا ، وقرأ عليه الآية . وقال الحسن : أتدرون فيمن نزلت هذه الآية ، نزلت في المسلم لقي الكافر فقال له : قل لا إله إلا الله ، فإذا قلتها
--> ( 1 ) آية 21 سورة آل عمران . ( 2 ) هذا عجز بيت لمعدى كرب ، صدره : * وخيل قد دلفت لها بخيل * ( 3 ) هو صهيب بن سنان بن مالك الرومي ، سبته الروم [ وهو صغير ] فجلب إلى مكة فاشتراه عبد الله بن جدعان . وقيل : بل هرب من الروم فقدم مكة وحالف بن جدعان . وكان صهيب من السابقين الأولين ، شهد بدرا والمشاهد كلها . توفى بالمدينة سنة ثمان وثلاثين . ( من النجوم الزاهرة ) . ( 4 ) انتثل ما في كنانته : أي استخرج ما فيها من السهام . والكنانة : جعبة السهام ، تتخذ من جلود لا خشب غيها ، أو من خشب لا جلود فيها .